ابن تيمية
126
مجموعة الرسائل والمسائل
ينهاه عن ذلك فتراه يقصده من بعيد ، كما يقول العامة : رجل إلى قدام ، ورجل إلى خلف ( 1 ) وكذلك إذا كان في دينه نقص وعقله يأمره بقصد المسجد أو الجهاد أو غير ذلك من المقصودات التي تحب في الدين ، وتكرهها النفس ، فإنه يبقى قاصداً لذلك من طريق بعيد : متباطئاً في السير ، وهذا كله معلوم بالفطرة . وكذلك إذا لم يكن القاصد يريد الذهاب بنفسه ، بل يريد خطاب المقصود ودعاءه ونحو ذلك . فإنه يخاطبه من أقرب جهة يسمع دعاءه منها وينال به مقصوده إذا كان القصد تاماً ، ولو كان رجلاً في مكان عال ، وآخر يناديه لتوجه إليه وناداه ولو حط رأسه في بئر وناداه بحيث يسمع صوته لكان هذا ممكناً ، لكن ليس في الفطرة أن يفعل ذلك من يكون قصده إسماعه من غير مصلحة راجحة ولا يفعل نحو ذلك إلا عند ضعف القصد نحوه . وحديث الأدلاء الذي روي من حديث أبي هريرة وأبي ذر قد رواه الترمذي وغيره من حديث الحسن عن أبي هريرة وهو منقطع ، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ، ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع ، فإن كان ثابتاً فمعناه موافق لهذا ( 2 ) فإن قوله " لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله " إنما هو تقدير مفروض : لو وقع الإدلاء لوقع عليه ، لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئاً لأنه عال بالذات ، وإذا هبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى
--> ( 1 ) مأخوذ من المثل العربي : مالي أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ( 2 ) أن شيخ الإسلام يعلم أن الحديث غير ثابت وتقوية الضعيف للضعيف لا يعتد بها في ثبوت حكم شرعي فعدم الاعتداد بها في صفات الله أولى ولا سيما هذه المتشابهات . ولكنه يجيب عن الاشكال فيه بفرض وقوعه وعبر عنه بقوله إن كان ثابتا لان الأصل في شرط " إن " عدم الوقوع لامتناعه أو لتنزيله منزلة الممتنع كما حققناه في تفسير ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) من جزء التفسير الأول